لبنان الفن

مقالات

 

نظرة الى الدكتور جوزف مطر

إذا قيل عن أرتور رامبو، الشاعر الفرنسي الكبير، إنه الرجل الذي نعلاه من هواء، L’homme aux semelles de ventفاين هو من الفنان اللبناني، جوزف مطر، الذي يختزن في داخله عاصفةً دائمة.

لقد اسّس جوزف مطر بيني وبينه صداقة متينة حين دعاني ذات يوم وكنا في بدايات مهمتنا التعليمية لأحضَرَ صفه. فجلست بين التلاميذ وإذا به يقول : Le créateur ne se répète jamais أي المبدع لا يكرّرنفسه. ربما كان طلب زميلي خشية ان لا تستوعب آذان مبتدئين هذه الدعوة الى الابداع ، فتضيع.

وقد ثبّت صداقتنا حين اصطحبني ليعرّفني الى معلمه، راسم المائيات الشهير عمر انسي، الذي لا تزال صورته في ذاكرتي. أما اليوم، فقد كلّل هذه الصداقة بالطلب الي، لا ان أعرّف عنه، فهو غنيّ عن التعريف، بل ان أقدّمه الى الحضور الكريم، فشكرا له، وشكرا لجمعية اندية الليونزعلى تقديرها للفن وللابداع الوطني، والتي وفرت لنا هذه المناسبة، وشكرا لجامعة اللويزة الكريمة التي استضافت هذا اللقاء.

إن ميزة جوزف مطر الفنية أنه يرسم النور. يسلب النور ويختلسُه حيثما وجده، لينثره على لوحاته الوانا زاهية، وجمالا، وحبا وحياة، تنسينا كلها سواد بعض اللحظات. وبغض النظر عن قيمتها الجمالية، فللوحاته معان تعبّر عن شخصيته وقيَمه من ثقافية وتاريخية ووطنية ودينية، إذ إنه الساهر ابدا بكل ما للكلمة من معنى.

إنه أولا "صاحبُ رؤى شبهِ نبويّة ". فقد رسم قرية معلولة السورية، وهي من اقدم القرى المسيحية في التاريخ، قبل ان تطالها همجية الحرب. فهي الآن محفوظةٌ سالمة في احدى لوحاته.

جوزف مطر لا يصوّر الواقع، بل يحوله في مخيلته، ويمزُجه برؤيته الشخصية الى العالم والانسان والاشياء. فللوحاته طابعها الخاص ومنها البحرُ والخليج والجبل، والاشجار والازهار، وحيوانَه المفضل، الحمار، الذي كان من نصيبي واحدٌ من هذه الفصيلة، مزينٌ ببعض الازهار.
خلّد التراث والتقاليد اللبنانية، فرسم البيوت بقرميدها الاحمر، كما القَروية اللبنانية وهي تصنع الخبزعلى الصاج، ورأينا في معرضه الاخير نسوة على سطح منزل، منهمكات بصنع الكشك، هذا الطبق التقليدي اللبناني الذي يدفئ شتاءَ الجبال.

يواكب جوزف مطر"المؤرخ" احداثَ لبنان الوطنية، فكانت لوحته L’Héroïque "الملحمية" التي عرضها في قصر بعبدا في العام 1990، والتي يظهر فيها رجال ونساء واطفال يخرجون أحياء من باطن الارض، ويسيرون صعودا، صفوفا متراصة نحو النور، نحو العلى، نحو الحرية.

إنه اخيرا "الوسيط بين السماء والارض"، ففي محترفه، الانبياء والرسل وجميع القديسين. اما لوحته العملاقة التي لا تثمّن، والمعنونة "انجيل متّى" فهي من روائع الفن، يظهر فيها متّى الانجيلي وهو يتلمذ الجماهير على كلمة المسيح.

جوزف مطر، إن رسم كتب، وأن كتب رسم ! فهو الاديب، يعبّر عن مشاعره وافكاره باسلوب جميل وكلمات انيقة. ففي احدى مقالاته غير المنشورة، والتي هي بعنوان Youssef l’élu" المختار" ، حدّد التعليمَ، بأنه "تبديلُ الجهل بالمعرفة" ، ووصفَ تلميذه "يوسف" بدقة جعلتني اظنّ أنه يشرّحه، ما استحضر لدي لوحة الفنان Rembrandt وهي بعنوان La leçon d’anatomie أي درس في علم التشريح، فكانت كلماته اشبه بلوحة ! كما وضع كتابا تربويا دوّن فيه اصول فنّ الرسم.

رائعٌ ان يكتب ! لقد وُصفت الكتابة التلقائية وبشكل خاص كتابة الشعر بانها فيض من الذات Un débordement d’être وهي، في كل الاحوال، نوعٌ من العطاء إذ إننا غالبا ما نكتب من اجل الاخرين. كما لا عجب ان يكون رساما وكاتبا في آن، فقد حاول بول فاليري Paul Valéry ، من خلال اهتماماته الادبية والعلمية، اظهار وحدة الفكر الابداعي لدى الانسان.

فهنيئا لجوزف مطر بما هو عليه من صفات وقدرات، وهنيئا له بتكريمه، وهنيئا للبنان بهكذا مواطن. وفي الختام، لا بدّ لي من طرح فكرة انشاء متحف للفنون التشكيلية يضم كل هذه الروائع وغيرها من التحف، حفاظا على التاريخ الفني اللبناني الحديث ، ومن اجل تهذيب وتثقيف الاجيال الطالعة، وشكرا.

في 16 نيسان 2015 أندره تحومي



القائمة الرئيسية
عن الموقع لبنان الفن البريد الاكتروني لبنان الفن اتصلوا بنا نسخ وطباعة الصحافة الكتاب الذهبي مقالات نبذة عن الحياة مقدمة عن الفنان جوزيف مطر اعمال الفنان جوزيف مطر


 
 

زيتيات | مائيات | دراسات | مسطح مزج الالوان | المقدمة | الجديد | الاعمال الكبيرة | القصائد
نبذة عن الحياة | مقالات | الكتاب الذهبي | الصحافة عن الفنان جوزيف مطر | الهدف | الجوائز | الفنانون
روابط اخرى | بطاقات بريدية | مجلد الفنان | الصحافة عن الموقع لبنان الفن | نسخ وطباعة | اتصلوا بنا
أنكليزي - فرنسي